إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا كثيرا.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ التقوى؛ فتقوى الله منارُ الهُدى، والإعراضُ عنها سبيلُ الشَّقا.
أيها المسلمون:
خلق الله الثَّقَلَيْن لعبادته؛ فمن أطاعه وعدَه بالجنة والنعيم، ومن عصاه توعَّده بالجزاء الأليم.
والذنوبُ أنواع: منها ذنوبٌ قلبيةٌ، كاعتقاد أن غيرَ الله ينفعُ أو يضرُّ، أو ضعف التوكُّل على الله، أو الكِبر، أو الحسَد.
ومنها: ذنوبٌ قوليَّةٌ؛ كالحلِف بغير الله، والكذِب، والغِيبة، والنميمة.
ومنها: ذنوبٌ فِعليَّةٌ عمليّة؛ كالقتل والسرقةِ والزنى.
والشركُ بالله لا يغفِرُه الله إلا بالتوبة، وفي الآخرة صاحبُه مُخلَّدٌ في النار، والكبائرُ لا يُكفِّرُها الله إلا بالتوبة، وقد تُكفَّرُ بعملٍ صالحٍ إذا قوِيَ الصدقُ والإخلاصُ؛ كما سقَت البغِيُّ كلبًا فغُفِر لها، وفي الآخرة صاحبُ الكبيرة إن لم يتُب فهو تحت المشيئةِ، إن شاء عذَّبَه، وإن شاء غفرَ له.
وصغائرُ الذنوب يُكفِّرُها اللهُ إذا اجتُنِبَت الكبائرُ، قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾
قال ابن كثيرٍ رحمه الله: "معنى الآية: إذا اجتنبتُم كبائرَ الآثام التي نُهيتُم عنها، كفَّرنا عنكم صغائرَ الذنوبِ وأدخلناكم الجنةَ".
والله سبحانه توابٌ يبسُطُ يدَه بالنهار ليتوبَ مُسيءُ الليل، ويبسُطُ يدَه بالليل ليتوبَ مُسيءُ النهار، قال الله تعالى: ﴿ وَالله يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ ﴾.
والتوحيدُ الخالصُ يُكفِّرُ الذنوبَ، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ومن لقيَني بقُراب الأرض خطايا، ثم أتاني وهو لا يُشرِكُ بي شيئًا، لقيتُه بمثلها مغفرةً» رواه مسلم.
ومن توضأ فأحسنَ الوضوءَ خرجَت ذنوبُه مع قطرِ الماء، فإن هو «قام فصلَّى فحمِدَ الله وأثنَى عليه ومجَّدَه بالذي هو له أهلٌ، وفرَّغَ قلبَه لله انصرَفَ من خطيئتِه كهيئتِه يوم ولدَتْه أمُّه»؛ رواه مسلم.
«ولا يتوضَّأُ رجلٌ مسلمٌ فيُحسِنُ الوضوءَ فيُصلِّي صلاةً، إلا غفَرَ الله له ما بينَه وبينَ الصلاة التي تلِيها»؛ متفق عليه.
وخُطواتُ المشي إلى الصلاة، إحداهُما تحُطُّ خطيئةً والأُخرى ترفعُ درجةً، وإسباغُ الوضوء على المكارِه، وكثرةُ الخُطا إلى المساجِد، وانتظارُ الصلاة بعد الصلاة تمحُو الخطايا وترفعُ الدرجات.
ومـن أتى المسجِدَ ينتظرُ الصلاةَ تعرَّضَ لنفحاتِ الله بدُعاء الملائكة له بالمغفرةِ والرحمة، قال عليه الصلاة والسلام : «لا يزالُ أحدُكم في صلاةٍ ما دام ينتظِرُها، ولا تزالُ الملائكةُ تُصلِّي على أحدِكم ما دام في المسجِد تقول: اللهم اغفِر له، اللهم ارحمه» رواه البخاري.
قال ابن بطَّال وهو أحد شُرَّاح صحيح البخاري: "فمن كان كثيرَ الذنوبِ وأراد أن يحُطَّها الله عنه بغير تعبٍ، فليغتنِم مُلازمةَ مكان مُصلاَّه بعد الصلاة ليستكثِرَ من دُعاء الملائكة واستِغفارهم له".
والأذكار التي تكون بعد الصلاة سببٌ من أسباب المغفرة، فـ «من سبَّح اللهَ بعد كل صلاةٍ ثلاثًا وثلاثين، وحمِدَ الله ثلاثًا وثلاثين، وكبَّرَ اللهَ ثلاثًا وثلاثين، وقال تمام المائةِ: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ وهو على كل شيءٍ قدير، غُفِرَت خطاياه وإن كانت مثلَ زبَد البحر» رواه مسلم.
والصلواتُ الخمسُ تحُطُّ السيئات، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أرأيتمْ لو أن نهرًا ببابِ أحدِكم يغتسِلُ منه كل يومٍ خمسَ مراتٍ هل يبقى من دَرَنه شيءٌ؟». قالوا: لا يا رسول الله. قال: «فذلك مثَلُ الصلوات الخمسِ، يمحُو الله بهنَّ الخطايا»؛ متفق عليه.
وصومُ رمضان يُكفِّرُ ما بينه إلى رمضان المُقبِل إذا تُرِكت المُوبِقات، قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتِسابًا غُفِر له ما تقدَّم من ذنبه» متفق عليه.
والحجُّ يمحُو الذنوبَ، قال عليه الصلاة والسلام: «من حجَّ فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه» متفق عليه.
ومن فضل الله على المُؤمنين: أن الله يُكفِّر عنهم ذنوبَهم بما يُصيبُ قلوبَهم من الهموم والأحزان والغموم، قال عليه الصلاة والسلام: «ما يُصيبُ المُسلِمَ من همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ إلا كفَّر الله بها من خطاياه» متفق عليه.
والأعمالُ الصالحةُ المُطلَقةُ بأنواعها كتلاوة القرآن، وبرِّ الوالدين، وصِلة الأرحام تُكفِّرُ السيئات، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ وقال عليه الصلاة والسلام: «وأتبِع السيئةَ الحسنةَ تمحُها» رواه الترمذي.
وذِكر الله تعالى في كل الأوقات سببٌ من أسباب تكفير الذنوب قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من قال: سبحان الله، مائة مرة؛ كُتِبَت له ألفُ حسنة، أو حُطَّت عنه ألفُ خطيئة»؛ رواه مسلم. وقال«من قال: سبحان الله وبحمده في يومٍ مائةَ مرةٍ؛ حُطَّت خطاياه وإن كانت مثلَ زبَد البحر»؛ متفق عليه.
والإحسانُ إلى الخلق يحُطُّ الخطايا، فـ «بينما كلبٌ يطيفُ برَكِيَّةٍ كاد يقتلُه العطشُ؛ إذ رأَتْه بغِيٌّ من بغايا بني إسرائيل، فنزَعَت مُوقَها، فسقَتْه فغُفِرَ لها به»؛ متفق عليه.
والعفوُ والصفحُ عن العباد يغفِرُ الذنوب، قال سبحانه: (وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ).
ومجالِسُ الذِّكرِ تحُطُّ الأوزارَ، قال عليه الصلاة والسلام: «إن لله ملائكةً يطُوفون في الطُّرق يلتمِسون أهلَ الذِّكر، فإذا وجَدوا قومًا يذكُرون اللهَ تنادَوا: هلُمُّوا إلى حاجتكم»، قال: «فيحُفُّونَهم بأجنحَتهم إلى السماء الدنيا»، قال: «فيسألُهم ربُّهم - وهو أعلمُ بهم -: ما يقولُ عبادي؟»، قال: «يقولون: يُسبِّحونك ويُكبِّرونك ويحمَدونك ويُمجِّدونك»، «ثم يقول الربُّ: أُشهِدُكم أني قد غفرتُ لهم»؛ متفق عليه.
وإن أصابَ الجسدَ مرضٌ أو مشقَّةٌ أو جَهدٌ، كان ذلك حطًّا لمعاصِيه، قال عليه الصلاة والسلام: «ما يُصيبُ المُسلِمَ من نَصَبٍ ولا وَصَبٍ ولا همٍّ ولا حُزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، وحتى الشوكة يُشاكُها؛ إلا كفَّر الله بها من خطاياه» متفق عليه.
والمرضُ كفَّارةٌ للمريض، قال عليه الصلاة والسلام وهو يُحدِّث بعض أصحابه عن المرض: «ما من مُسلمٍ يُصيبُه أذًى إلا حطَّ الله له سيئاتِه كما تحُطُّ الشجرةُ ورقَها» متفق عليه.
والدعاءُ الصادقُ سببُ مفغرة الذنوب، قال ربنا عز وجل في الحديث القدسي: «يا عبادي إنكم تُخطِئون بالليل والنهار، وأنا أغفِرُ الذنوبَ جميعًا، فاستغفِرُوني أغفِر لكم» رواه مسلم.
والثُّلُثُ الأخيرُ من كل ليلةٍ مظِنَّةُ غُفران الذنوب، قال صلى الله عليه وسلم: «ينزِلُ ربُّنا إلى السماء الدنيا في الثُّلُث الأخير من الليل، فيقول: من يستغفِرُني فأغفرَ له»؛ متفق عليه.
وبعدُ، أيها المُسلِمون:
فللخطيئةِ أثرٌ على البَدَن والمالِ والولَدِ، والعبدُ بحاجةٍ إلى محوِ خطاياه في اليوم والليلة، والله غفورٌ رحيمٌ، نوَّع لخلقه مُكفِّرات الذنًوب يطرُقونها كلَّ حينٍ لتُغفَر لهم الذنوب والزلاَّت، والسعيدُ من تعرَّضَ لنفحَات الله ومغفرتِه في يومِه وليلتِه.
أعـوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني الله وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب، فاستغفروه وتوبوا إليه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِهِ وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلَّم تسليمًا مزيدًا.
أيها المسلمون:
الذنبُ قبيحٌ، وأقبحُ منه عدمُ التوبة والاستِغفار، ومن طرقَ بابَ التوبة وجدَه مفتوحًا، ومن صفات الله المغفرَةُ والعفوُ والسِّترُ، والله يفرحُ بتوبة التائب إليه، ويُبدِّلُ سيئاته حسناتٍ، وتركُ الذنبُ أيسرُ من طلبِ التوبة، وقد يخفَى أثرُ الذنبِ عن الخلق لكنَّ الله يعلمُه، وقد يظهرُ أثرُه على حياة العبد في شِقوتِه وهمِّه وكبَد حياته.
ثم اعلموا رحمكم الله أن الله أمركم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه الكريم، فقال في مُحكَم التنزيل: ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الذِيْنَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيْمًا﴾.
اللهم صلِّ وسلِّم على نبيِّنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الراشدين الذين قضَوا بالحق وبه كانوا يعدِلون: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ أجمعين، وعنَّا معهم بجُودِك وكرمِك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، ودمِّر أعداء الدين.
اللهم أصلِح أحوالَ المُسلمين في كل مكان، اللهم اصرِف عنهم الفتنَ ما ظهرَ منها وما بطَن، اللهم احقِن دماءَهم، واحفَظ أعراضَهم وأموالَهم، اللهم اصرِف عنهم شرَّ شِرارهم وكيدَ فُجَّارهم، ووحِّد كلمتَهم على الحق والتقوى والتوحيد يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم من أرادَ الإسلامَ أو المُسلمينَ بسُوءٍ فاجعل كيدَه في نحره، وألقِ الرُّعبَ في قلبه، ودمِّره تدميرًا يا قوي يا عزيزُ.
عباد الله:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على آلائه ونِعَمِه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق